يحيي بن حمزة العلوي اليمني

12

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

وجوابه هو : أنها مع اختلافها وتباين أحوالها لا يمتنع كونها دالّة على حقيقة واحدة ، وهذا غير ممتنع ، فإن الأشياء المتغايرة قد تكون دالّة على معنى واحد كالألفاظ المترادفة ، ويؤيد ما ذكرناه هو أن التعريفات التصوّرية طريق إلى فهم الحقائق التصورية . كما كانت البراهين التصديقية طريقا إلى معرفة المدلولات ، فإذا جاز اجتماع البراهين على مدلول واحد جاز اجتماع التعريفات على ماهية واحدة فاختلاف كل واحد من النوعين لا يمنع من اتحاد المقصود . المطلب الثاني في بيان موضوع علم البيان اعلم أن لكل علم من العلوم موضوعا يكون له كالأساس في البناء . وبه تظهر حقيقته . ومنه يتقدّر قوام صورته . وعلى هذا يكون موضوع علم الطبّ بدن الإنسان . ولهذا فإن الطبيب يسأل عنه ليدرى بحاله في صحته وفساده . وموضوع علم الفقه هو أفعال المكلفين ، فالفقيه يسأل عن حالها فيما يعرض لها من الحسن والقبح والوجوب والندب والكراهة والإباحة . وموضوع أصول الفقه هو النظر في أدلة الخطاب من الكتاب والسنة . وما يكون مقرّرا عليها من الإجماعات والأقيسة والأفعال والتقريرات . فالأصولىّ يقصر نظره على ما ذكرناه . وموضوع علم الكلام هو النظر في أفعال الله تعالى وما يصدر عن قدرته من المكونات كلها والمصنوعات فيحصل له العلم بذاته فنظره مقصور على ذلك . وموضوع علم العربية هو الألفاظ الموضوعة من جهة تركيبها فهو يسأل عن حالها . وهكذا فإن موضوع اللغة هو معرفة الألفاظ المفردة فاللغوىّ يسأل عن ذلك . فكلّ علم له موضوع يخالف موضوع الآخر . ومن ثم كانت حقيقة كل واحد منها مباينة لحقيقة الآخر لأنها باختلاف موضوعاتها اختلفت حقائقها وتمايزت في أنفسها . وكما يجرى هذا في العلوم فإنه جار في الحرف والصناعات لأنها من جملة العلوم ، ولهذا فإنّ النجارة موضوعها الخشب . فإن النجار ينظر في حالها في تحصيل حقيقة النّشر . والحدّاد موضوع صنعته الحديد فينظر في حاله إذا أراد تركيب السّيف والشّفرة . وموضوع النساجة القطن . والكتان . فالنّساج ينظر في حالهما من أجل تحصيل قوام الثوب وصورته وهذه القضية عامّة في كل علم وحرفة . فإنه لا يمكن تحصيل شيء من أحواله إلا بعد إحراز موضوعه الذي هو أصل فيه .